القرطبي

109

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ولا يقيم عليه ، يقال : ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ، ويقال : ما فعلته إلا لمما وإلماما : أي الحين بعد الحين . وإنما زيارتك إلمام ، ومنه إلمام الخيال ، قال الأعشى : ألم خيال من قتيلة بعد ما * وهي حبلها من حبلنا فتصرما وقيل : إلا بمعنى الواو . وأنكر هذا الفراء وقال : المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب . وقيل : اللمم النظرة التي تكون فجأة . قلت : هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به ، لأنه يقع من غير قصد واختيار ، وقد مضى في ( النور ( 1 ) ) بيانه . واللمم أيضا طرف من الجنون ، ورجل ملموم أي به لمم . ويقال أيضا : أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشئ القليل ، قال الشاعر ( 2 ) : فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن * إلا كلمة حالم بخيال الثالثة - قوله تعالى : ( ان ربك واسع المغفرة ) لمن تاب من ذنبه واستغفر ، قاله ابن عباس . وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود : رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة ، فقلت : لمن هذه ؟ فقالوا : لذي الكلاع وحوشب ، وكانا ممن قتل بعضهم بعضا ، فقلت : وكيف ذلك ؟ فقالوا : إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة . فقال أبو خالد : بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثني عشر ألف بنت . قوله تعالى : ( هو أعلم بكم ) من أنفسكم ( إذ أنشأكم من الأرض ) يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع . قال الترمذي أبو عبد الله : وليس هو كذلك عندنا ، بل وقع الانشاء على التربة التي رفعت من الأرض ، وكنا جميعا في تلك التربة وفي تلك الطينة ، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها ، ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات ، منهم كالدر يتلألأ ، وبعضهم أنور من بعض ، وبعضهم أسود كالحممة ، وبعضهم أشد سوادا من بعض ، فكان الانشاء واقعا علينا وعليه . حدثنا عيسى

--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 227 . ( 2 ) هو ابن مقبل . والواو في ( وذلك ) زائدة كقول أبى كبير الهذلي : فإذا وذلك ليس الا حينه * وإذا مضى شئ كأن لم يفعل